ابن كثير
76
البداية والنهاية
له : ألست الكاتب إلي تبدأ بنفسك والكاتب إلي تخطب آمنة ( 1 ) بنت علي ؟ وتزعم أنك ابن سليط بن عبد الله بن عباس ؟ هذا كله ويد المنصور في يده يعركها ويقبلها ويتعذر ، ثم قال له : فما حملك على مراغمتي ودخولك إلى خراسان ؟ قال : خفت أن يكون دخلك مني شئ فأردت أن أدخل خراسان وأكتب إليك بعذري . قال : فلم قتلت سليمان بن كثير وكان من نقبائنا ودعاتنا قبلك ؟ قال : أراد خلافي . فقال : ويحك وأنت أردت خلافي وعصيتني ، قتلني الله إن لم أقتلك . ثم ضربه بعمود الخيمة وخرج إليه أولئك فضربه عثمان فقطع حمائل سيفه ، وضربه شبيب فقطع رجله ، وحمل عليه بقيتهم بالسيوف ، والمنصور يصيح : ويحكم اضربوه قطع الله أيديكم . ثم ذبحوه وقطعوه قطعا قطعا ، ثم ألقي في دجلة . ويروى أن المنصور لما قتله وقف عليه فقال : رحمك الله أبا مسلم ، بايعتنا فبايعناك ، وعاهدتنا وعاهدناك ، ووفيت لنا فوفينا لك ، وإنا بايعناك على أن لا يخرج علينا أحد في هذه الأيام إلا قتلناه ، فخرجت علينا فقتلناك ، وحكمنا علينا حكمك على نفسك لنا . ويقال إن المنصور قال : الحمد لله الذي أرانا يومك يا عدو الله . قال ابن جرير وقال المنصور عند ذلك : زعمت أن الدين لا يقتضى * فاستوف بالكيل أبا مجرم سقيت كأسا كنت تسقي بها * أمر في الحلق من العلقم ثم إن المنصور خطب في الناس بعد قتل أبي مسلم فقال : أيها الناس ، لا تنفروا أطيار النعم بترك الشكر ، فتحل بكم النقم ، ولا تسروا غش الأئمة فإن أحدا لا يسر منكم شيئا إلا ظهر في فلتات لسانه ، وصفحات وجهه ، وطوالع نظره وإنا لن نجهل حقوقكم ما عرفتم حقنا ، ولا ننسى الاحسان إليكم ما ذكرتم فضلنا ، ومن نازعنا هذا القميص أوطأنا أم رأسه ، حتى يستقيم رجالكم ، وترتدع عمالكم . وإن هذا الغمر أبا مسلم بايع على أنه من نكث بيعتنا وأظهر غشنا فقد أباحنا دمه ، فنكث وغدر وفجر وكفر ، فحكمنا عليه لأنفسنا حكمه على غيره لنا ، وإن أبا مسلم أحسن مبتديا وأساء منتهيا ، وأخذ من الناس بنا لنفسه أكثر مما أعطانا . ورجح قبيح باطنه على حسن ظاهره ، وعلمنا من خبث سريرته وفساد نيته ما لو علم اللائم لنا فيه لما لام ، ولو اطلع على ما اطلعنا عليه منه لعذرنا في قتله ، وعنفنا في إمهاله ، وما زال ينقض بيعته ويخفر ذمته حتى أحل لنا عقوبته وأباحنا دمه ، فحكمنا فيه حكمه في غيره ممن شق العصا ، ولم يمنعنا الحق له من إمضاء الحق فيه ( 2 ) ، وما أحسن ما قال النابغة الذبياني للنعمان - يعني ابن المنذر - : فمن أطاعك فانفعه بطاعته * كما أطاعك والله على الرشد ومن عصاك فعاقبه معاقبة * تنهى الظلوم ولا تقعد على ضمد
--> ( 1 ) انظر حاشية 4 صفحة 71 . ( 2 ) نسخة خطبة أبي جعفر منصور في مروج الذهب 3 / 358 . وابن الأثير 5 / 478 - 479 باختلاف .